الشيخ عبد الغني النابلسي
236
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « 1 » بلسان الإشارة ، فأطرب الحاضرين ما أبديناه من العبارة ، وأن معنى قول ابن الفارض « 2 » رضي اللّه عنه : شربنا على ذكر الحبيب مدامة * سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم فقوله شربنا هو عين قوله يحبّونه ، وقوله سكرنا بها هو عين قوله يحبّهم ، والكرم هو الكون والوجود ، والشّرب قلب الظّاهر إلى الباطن من حضرة الجود ، وقرّرنا هذا المقام بأفصح كلام ، وتكلّمنا على قوله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ « 3 » ، من جهة الإشارة الرّوحانية بالعبادة الجسمانية ، وأطلنا الكلام في ذلك بحسب فتوح الوقت . وكان هناك في الزاوية البسطاميّة رجل ساكن بأهله وعياله ، اسمه الشيخ إسماعيل ، وكنيته أبو قاسم النجّار القدسي ، وهو خادم ذلك المكان ، وأخبرنا أنه صار له العمى مرّة فدعا اللّه تعالى وتوسّل / إليه بنبيّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعمل قصيدة يمدح النبي صلّى اللّه عليه وسلم بها ، فحصل له الشّفا ببركة ذلك ، وفتح اللّه بصره وهي قصيدة غالب أبياتها خارجة عن الوزن ، وفيها تحريف من جهة العربيّة ، لكنها حيث قبلت في الحضرة المحمّدية ، وحصلت بها الإجابة في هذه القضية ، نذكرها برمّتها ، كما قال ابن الفارض ، رضي اللّه عنه : لك البشارة فاخلع ما عليك فقد * ذكرت ثمّ على ما فيك من عوج وقد أنشدنا إياها من فمه مترنّما بها ، وهو رجل من الصّالحين الفالحين الناجحين فحصلت لنا البركة بذلك ولجميع الحاضرين ، وهي مرتبة على ترتيب حروف المعجم في أول كل بيت منها ، وهي هذه القصيدة :
--> ( 1 ) سورة المائدة / 54 . ( 2 ) ابن الفارض ، شاعر الوقت عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري . وصفه الذهبي بأنه صاحب الاتحاد ، الذي ملأ التّائية : « نعم بالصبا قلبي صبا لأحبّتي * فيا حبّذا ذاك الشذاحين هبّت » وقد توفي سنة 632 ه ، قبل ابن العربي بست سنين انظر سير أعلام النبّلاء 22 / 368 ومصادره . ( 3 ) سورة البقرة / 158 .